فوزي آل سيف

54

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

قال: فتغير لونه، وانتبه لما نبهته له وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً [119]. فوائد وملاحظات: 1/ تجسد الرواية السابقة أصدق تجسيد شخصية (علماء السلاطين وفقهاء البلاط) فلو أردنا صورة تفصيلية كاملة لهم لما وجدنا أفضل منها، حيث يتمادى الإنسان في حب الدنيا وعبادة الطاغوت، ويكون كشارب ماء البحر كلما ازداد منه زاد عطشًا حتى يرد الهاوية! ولهذا حذر أئمة الهدى عليهم السلام العلماء والفقهاء[120]من اللجوء إلى سلاطين الدنيا! فهم بالإضافة إلى تحاقدهم فيما بينهم وتآمر بعضهم على البعض الآخر، وقفز تاليهم على كتف أولهم وهكذا! ويا ليت أن الأمر يتحدد بهذا المقدار بل يضيع هؤلاء البوصلة والاتجاه حتى يصلوا إلى التعدي على عباد الله بل أولياء الله من أجل أن يبقوا في مناصبهم! وهم يعلمون أن عملهم هذا نتيجته النار وسوء القرار، ولكن لا يمتلكون بعدما (أدمنوا) الدنيا إرادة العودة والتوبة، فترى هذا القاضي يصرح بأنه يعلم بأن سعيه ذاك وتحريضه المعتصم على الإمام الجواد يدخله النار، ولكنه مع ذلك يسير فيه! 2/ إن الخلفاء والسلاطين بمقدار ما (يستعملون) هؤلاء الفقهاء وفتاواهم، ويغدقون عليهم الأموال، ويأنسون بهم في سفراتهم وخلواتهم وشهواتهم، فإنهم لا يعتقدون بأن علمهم هو واقع الشريعة، ولذلك فإن مثل المعتصم عندما سمع الإمام يقول له بأن القوم قد تكلموا في الموضوع، أجابه: دعني مما تكلموا به، أيُّ شيء عندك؟

--> 119 العياشي؛ محمد بن مسعود: تفسير العياشي١/ ٣٢٧ 120 الفيض الكاشاني: الوافي ١٥/١٧٨: في خطاب الإمام الحسين بن علي لهذه الفئة قال: «وقد ترون عهود اللَّه منقوضة فلا تفزعون وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون وذمة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله محقورة والعُمْي والبُكم والزُّمْن في المدائن مهملة لا ترحمون ولا في منزلتكم تعملون ولا من عَمل فيها تعينون وبالإدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون كل ذلك مما أمركم اللَّه به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء.. كانت أمور اللَّه عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم واستسلمتم أمور اللَّه في أيديهم يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات سلطهم على ذلك فراركم من الموت وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم فأسلمتم الضعفاء في أيديهم فمن بين مستعبد مقهور وبين مستضعف على معيشته مغلوب يتقلبون في الملك بآرائهم ويستشعرون الجري بأهوائهم اقتداء بالأشرار وجرأة على الجبار.. ومثله كتاب ابنه الإمام زين العابدين عليه السلام إلى محمد بن شهاب الزهري (قاضي بني أمية) كما نقله ابن شعبة الحراني في تحف العقول عن آل الرسول ٢٨٦ حيث جاء فيه: فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع الخونة، وأن تُسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة.. جعلوك قطْبًا أداروا بك رحى مظالمهم وجسرًا يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلّمًا إلى ضلالتهم، داعيًا إلى غيهم، سالكًا سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم، فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك! وما أيسر ما عمروا لك، فكيف ما خربوا عليك!.